الأربعاء، ٢ يناير، ٢٠٠٨

مقالة أكثر من رائعة للاستاذ الكبير عبدالله المطيري. تستحق القراءة.







ظهور الوعي التاريخي هو بلا شك الثورة الهامة التي شهدناها منذ حلول العصر الحديث. دلالته الروحية من المحتمل أنها تتجاوز المغزى الذي نقر به إزاء تحقيقات علوم الطبيعة التي حولت بشكل واضح وجه كوكبنا الأرضي. الوعي التاريخي الذي يميز الإنسان المعاصر هو امتياز وربما عبء لم يفرض على الأجيال السابقة. هذه المقولة للفيلسوف الألماني المعاصر هانس جورج غادامير. وهي برأيي تضعنا أمام إحدى أهم المشاكل التي يعيشها العقل العربي اليوم. مشكلة الوعي التاريخي. الوعي التاريخي يعني أن كل حدث يجري في هذا العالم هو حدث محكوم بظروف تاريخه ووفق اشتراطات هذه الظروف التي جرى فيها. والقيمة التي يحصل عليها هي قيمة تنبع من تفاعله مع واقعه التاريخي. الوعي التاريخي هو نظرة واقعية للحياة تضع الأفكار والقيم ضمن إطارها التاريخي وتفهمها ضمن سياقها الذي نشأت فيه.وهي بهذا تحقق الكثير من المكاسب وتتخلص من الكثير من الإشكاليات العويصة التي وقع فيها الإنسان على طول قرون مديدة.

سأعطي هنا مثالا على الوعي التاريخي، كما أفهمه، يساعد في توضيح الفكرة أكثر. حين نناقش عادة من العادات، ذبح رأس من الغنم للضيف مثلا. وهي من العادات المعروفة في الجزيرة العربية والمستقرة في الوعي الجمعي. الوعي التاريخي لهذه العادة يضعها ضمن ظروفها التي نشأت فيها وهي أن الناس في الجزيرة العربية قبل عصر الدولة السعودية الحديثة كانوا يعانون حالة من الفقر والجوع عصيبة جدا، وكانت الحاجة للطعام إحدى الحاجات الكبرى ولذا كان التعبير الأبلغ عن إكرام الضيف هو تقديم الطعام له. الطعام هو التعبير الأساسي واللحم هو أجود أنواع هذا الطعام النادر. اليوم في ظل تغير الظروف وتوفر الأكل وتراجع الحاجة للطعام إلى مراتب متأخرة، يجعل من التعبير عن الإكرام للضيف يمكن أن يأخذ تعبيرا مختلفا. لن يفهم الكثير من كبار السن وربما الكثير من الذين لم يفكروا في هذه العادة هذا الطرح. فهي قد تحولت عندهم إلى شيء مطلق لا علاقة له بالظروف، فتقديم الذبيحة للضيف عندهم هو تعبير عن إكرامهم له مهما كانت الظروف. الأمثلة كثيرة جدا ولكنها تنطلق من أن أي فكرة أو قيمة أو حدث يجب فهمهما وتقييمها وفقا لظروفها التاريخية التي نشأت أو حدثت فيها عن طريق ربطها بشبكة الأسباب التي أنتجتها. وخارج سياق هذه الظروف التاريخية يجب أن يتغير هذا الفهم والتقييم. في هذا السياق تفهم القيم والأفكار والأحداث.

الوعي التاريخي ينسجم ويتوافق مع منطق التاريخ، المنطق الذي يبدو أن الإنسان تأخر كثيرا في فهمه. منطق التاريخ الذي يقول إن الأشياء تتغير باستمرار. وإن الإنسان مهما كان يبقى محكوما بظروف العصر الذي يعيشه وفي السياقات التي تشكل الواقع وتتحكم فيها. الإنسان هو ابن عصره. حتى نبوغه وإبداعه وخروجه عن السياق تبقى محكومة بتفاعل مع السياق نفسه. لا يعيش الإنسان وحده ولا تنشأ القيم والمبادئ والأفكار من الفراغ، بل هي ثمار لتفاعل الإنسان مع واقعه.

الوعي التاريخي يضع الماضي في سياقه الخاص. ويفهمه وفق ذلك السياق. الوعي التاريخي يخرج الإنسان من الماضي إلى الحاضر. يجعل هناك فصلا في الوعي بين الماضي والحاضر كما هو في الواقع. يغلب على الإنسان الحنين للماضي، تربطه به علاقة رومانسية في الغالب ويسقط فيه الكثير من آثار علاقته القلقة مع واقعه. الوعي التاريخي يحرر الإنسان من أسر الماضي. حين نستمع إلى الكثير من الفاعلين العرب في السياسة والاجتماع والثقافة، نجد أنهم يقعون أسرى للماضي ولا يستطيعون التفكير انطلاقا من معطيات واقعهم الذي يعيشونه. وهذا أحد أهم أسباب الفشل التي يعانيها التفكير العربي. إنه يفكر في حاضره من خلال ماضيه. والعلاقة بالماضي حين تفتقد للوعي التاريخي تصبح علاقة مريضة ومعيقة وتتسبب في الكثير من الإشكالات التي تتسبب في النهاية في إحداث فشل كبير في الحياة. لأن كل جهد الإنسان في هذه الحالة يصبح مضادا لمنطق العصر والحياة. يصبح جهدا في الاتجاه الخطأ.

الوعي التاريخي يساعد في الفكاك من أسر التاريخ وصورته المبجّلة دائما فهو يقدمه بنسبيّته وداخل إطاره الخاص. يساعد في الاستيقاظ من الأحلام الوردية التي يعيشها الإنسان ويتوغل فيها هربا من واقعه المرير. وهنا تأتي الأهمية الكبيرة للوعي التاريخي عربيا. فالتاريخ العربي والإسلامي لا يزال يقرأ بدون وعي. لا يزال يقرأ قراءة تبجيلية سطحية تتسبب في إفساد الصحة العقلية التي يتمتع بها الأفراد. لا يزال التاريخ يدرس في المدارس والجامعات ويستحضر في الوعي بصورته الرومانسية وبدون حس نقدي وبدون محاولة فهم لتاريخيته. إن التاريخ العربي والإسلامي يقدم اليوم على أنه صورة المستقبل المنشودة. وهذا هو سبب السير التائه للماضي. الناشئة المسلمون والعرب يعدون اليوم ليكونوا صورا لأبطال الماضي. وهذا سبب الاغتراب الذي يعيشه الفرد العربي، الذي يلعن كل يوم واقعه وبدلا من النظر إلى المستقبل /المستقبل ينجرف سريعا في الخيال للمستقبل / الماضي الذي هو حلم مستحيل وغير قابل للتنفيذ لأنه ضد منطق الحياة والتاريخ.

كما أن الوعي التاريخي يساعد كثيرا في الفكاك من الفكر الأسطوري أو على الأقل التخفيف منه. الفكر الأسطوري الذي يصور رموزه ( الأساطير ) بشكل مفارق للواقع ويقدمها بطريقة خارقة تساعد في تزييف الوعي وتعطل قدرات الإنسان على التفكير والنقد والنظر بشكل طبيعي للحياة. تعالوا ننظر كيف نقدم شخصياتنا التاريخية انطلاقا من أجدادنا القريبين وليس انتهاء بأولئك المغرقين في القدم. يقدمون كأنهم مفارقون للواقع، كأنهم لا يعيشون ضمن هذه الظروف. بدون أخطاء، بدون نواقص، بدون نزوات، أو رغبات. ودون أهداف دنيوية وأغراض إنسانية. هنا تبدو هذه الشخصيات مشكلة كبيرة، فهي من جهة لا تُجارى ولا يمكن أن يأتي أحد بما أتت بسبب مثاليتها المفرطة. ومن جهة أخرى فهي لا تنتمي للعصر الذي نعيشه وتُقدم كنماذج فيه. الشاب العربي اليوم يحمل في جمجمته مثالا أصبح عبئا عليه وسببا في إخفاقه في العيش. يحمل مثالا يحمل سيفه ليصلح هذا العالم الفاسد أو غير الخاضع له. وهذا ما يجعله ينزلق بسهولة في سياقات الإرهاب والعنف. تطبيق مثال الأسطورة التي يحملها من تاريخه اليوم يقوده على هذا الطريق.

الوعي التاريخي يساعدنا في الوعي بنسبية أفكارنا ويحمينا من التعصب لها. لأنها في نهاية المطاف نتيجة لظروفنا الحالية وبالتالي فهي متغيرة وغير ثابتة. نسبية لا مطلقة. مناسبة ربما لنا الآن لكنها ليست مناسبة لغيرنا بالضرورة ولا لنا في وقت آخر. الوعي التاريخي يساعد في قراءة الماضي والحاضر والمستقبل. الوعي التاريخي هو وعي بالزمن. وهو آلية أساسية التجديد والتطوير والنهوض. فهو يضع الإنسان أمام مسؤولياته التي يفرضها عليه واقعه الحقيقي دون أن يرتمي بشكل مرضي في أوهام الماضي وخيالات الأساطير. الوعي التاريخي كان نقطة الإنسان للسير للأمام، بعد أن طال دورانه في حلقات مفرغة. هو الذي جعل الإنسان في العصر الحديث يقفز قفزات نوعية للمستقبل ويفارق الكثير من المستويات التي قبع مديدا فيها. الوعي التاريخي جعل الإنسان يتحرر من الكثير من الأوهام، أوهام الكمال والمثالية. كل شيء تاريخي. كانت هذه فكرة ثورية في تاريخ الإنسان. فكرة تحررية من هالة الأشخاص والأفكار، من سطوة الماضي.

*كاتب سعودي