السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يتحدث فيها عن إساءة استغلال بعض المفاهيم الدينية من قبل بعض الحكام والطغاة لتخدير الشعوب.
عموماً ليس هذا موضوعنا.
ما أريد أن أتحدث عنه الآن هو بعض المفاهيم العلاجية في الدين الإسلامي والتي يفرط البعض في استخدامها.
ولأن هذه المفاهيم الدينية تعتبر مفاهيم علاجية فقد غيرت مقولة ماركس "الدين أفيون الشعوب" إلى مقولة أكورد "الدين مورفين الشعوب" (طبعاً جميع الحقوق محفوظة).
المورفين لمن لا يعرفه هو مسكن آلام طبي من مشتقات الأفيون وله استخدام واسع جداً في تسكين الآلام الشديدة خصوصاً بعد العمليات الجراحية. لكن استعماله لفترات طويلة يسبب الإدمان, كما أن الجرعات المفرطة منه تؤدي إلى فقدان الوعي وإلى قصور تنفسي شديد.
المفاهيم العلاجية في ديننا الإسلامي والتي ذكرتني بالمورفين, هي مفاهيم تهتم بالصحة النفسية للفرد المسلم فهي كمسكن للألم يعينه على تخطي الأزمات والصعوبات الحياتية والتي قد يكون أثرها مدمراً على نفسية غير المؤمنين. مفاهيم كالقضاء والقدر, والرزق, والخيرة والتي يلجأ إليها المسلم وقت الحيرة مع إيمانه العميق بأن جميع ما قد يحصل له هو خير له, تقوم خير قيام بهذه المهمة.
مثلاً عندما يحترق منزل أحد المؤمنين فهو يفوض أمره إلى الله, ويعلم أنه من قضاء الله وقدره ويجب عليه الرضا به. وعندما يخسر آخر جميع أمواله فهو يصبر ويحدث نفسه بأن هذا ابتلاء من الله وعليه الصبر كما أن الخيرة فيما اختارة الله فهو لا يعلم ما قد كان من الممكن أن يؤدي به ماله إليه. وعندما يحتار ثالث ولا يعلم أي الطريقين هو الصواب فهو يستخير الله ويقدم على أحدهما ولن يحس بالندم مهما كانت النتيجة لأنه استخار الله قبلها.
وجه التشابه بين هذه المفاهيم العلاجية وبين المورفين هو أن كلاهما قد يؤدي إلى الإدمان عليه, فالإدمان على أحد هذه المفاهيم واضح ومنتشر لدى كثيرين في مجتمعاتنا المتدينة كما أن آثاره سيئة ومدمرة. فترى هناك أشخاصاً يجعلون الخيرة (بمعنى القرعة مع الاستخارة) أساس اتخاذهم أي قرار بل وتراه يلجأ لها حتى في حال لم يكن محتاراً. كما أن بعضهم يؤمن بأن الله كتب عليه أن يكون فقيراً وبالتالي يتوقف عن محاولة تحسين أوضاعه المادية, فهو راضٍ بالذي يعتقد أن الله قد قسمه له.
أيضاً الإفراط في تعاطي هذه المفاهيم يعطل العديد من ضرورات الحياة اليومية كما أن الإفراط في تعاطي المورفين يؤدي إلى فقدان الوعي وربما إلى الوفاة. مثلاً عندما يحصل حريق في إحدى المنازل نسرع إلى اعتبار ذلك قضاءً وقدراً بدلاً من محاولة معرفة أسبابه وتجنبها في المستقبل. وعندما يتوفى شخصٌ في مستشفى نسرع إلى إقامة العزاء لنعزي أهله ونواسيهم ولا نهتم بمعرفة أسباب وفاته من أجل تلافيها مستقبلاً والاتعاظ بها إن كان قد توفي بسبب حادث أو بسبب التدخين أو من أجل محاسبة المتسبب بها إن كانت نتيجة إهمال طبي.
كم رأينا من أخطاء تنسب إلى القضاء والقدر كحريق مدرسة مكة المكرمة الشهير, وكوفاة رجلين في مركز لهيئة الأمر بالمعروف. وكم رأينا من إجراءات سلامة ضرورية لا تتخذ إلا بعد تجربة قاسية, وقد لا تتخذ تلك الإجراءات أصلاً.
هل يجب أن يموت أحد أطفالنا في حادث حتى نتوقف عن إعطائهم سيارة وهم ما زالوا في عمر الخامسة عشر؟؟؟ أم أننا سنقول أن ما حدث هو مجرد قضاء وقدر, ونستمر في إعطائهم سيارات؟؟؟
وهل يجب أن يموت شخصٌ عزيزٌ علينا بسبب التدخين حتى نتوقف عنه؟؟؟ أم سنقول وقتها أنه توفي لأن أجله قد حان, ونستمر بالتدخين؟؟؟
أم هل يجب أن نصاب بكارثة حتى نعلم أن مستشفياتنا غير قادرة على التعامل مع الكوارث؟؟؟
متى نبدأ بالحذر من أمور أجمع العالم على خطورتها قبل أن تقع على رؤوسنا؟؟؟ ومتى نرى جهازاً للأمن الوقائي ضمن أجهزة دولنا؟؟؟
نعم نحن لسنا مهووسين بالخوف والحذر من الموت لأننا مؤمنين, لكن للأسف إيماننا هذا يجعل حياة الإنسان رخيصة بالنسبة لنا. ويجعلنا نفرط في التهاون بحياتنا وحياة أطفالنا. كما يجعلنا خاملين كسالى راضين بما نظن أن الله قد كتبه لنا.
وإفراطنا في تعاطي هذه المفاهيم هو من أهم أسباب تخلفنا وتأخرنا. كما أن إدماننا عليها من أسباب بقائنا في مؤخرة الركب فقد جعلنا هذا الإدمان نوظف مشايخنا ورجال العلم لدينا كأطباء نفسانيين نلجأ لهم كلما احتجنا إلى جرعة من المورفين الديني. بالرغم أن مهمتهم أهم وأعظم من هذه بكثير فهم أطباء أخلاق وفكر قبل أن يكونوا أطباء نفسانيين.
ونحن نشغل وقتهم بحاجاتنا الإدمانية ونجبرهم على إعطائنا المزيد والمزيد من جرعات المهدئات الدينية, بدل أن يعطونا الأدوية التي نحتاجها من منشطات ومقويات دينية تدفعنا للعمل وبذل الجهد من أجل رفع مستوانا الحضاري بين الشعوب.
هذه المسكنات مهمة جداً وأساسية لصحتنا العامة والنفسية, فهي تساعدنا على عيش حياتنا بحلوها ومرها. لكن يجب أن نتذكر دائماً أنها جعلت من أجل زيادة إنتاجيتنا لا لكي تقضي عليها. وأنها وضعت من أجل الحياة لا للحياة من أجلها. فالمدمن يبدأ بتعاطي ما يساعده على العيش ثم يتحول للعيش من أجل إدمانه.
فما رأيكم في أمة العديد من أفرادها من المرضى الذين قد أدمنوا المهدئات, وقادتها هم الأطباء النفسانيين الذين يزودونهم بها؟؟؟