السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما وعدتكم, أحدثكم اليوم عن خلاصة كتاب ألفرد كروسبي الذي سبق وذكرته في الجزء السابق. يبدأ الكتاب بلوحة " Temperance "
للرسام البلجيكي بيتر بروجل الكبير
" Pieter Bruegel the elder "
والتي تجدونها مرفقة. هذه اللوحة رسمت في القرن السادس عشر تقريباً وتظهر الحياة العلمية الأوروبية في ذلك الوقت, علماء "يقيسون المسافة" إلى القمر "والمسافات" على الأرض, ومعلمة تعلم أطفالاً "الكتابة", وموسيقي يشرح نظام النوتات الموسيقية "المكتوب", ومهندسون "يقيسون ميلان" أحد الأعمدة في اللوحة, وجنود "يخططون" لحرب, ورسام خرائط. هذه اللوحة كما يقول "تصور تغيراً في توجه الفكر الأوروبي من التفكير النوعي في ما حولهم إلى التفكير الكمي بدأ بحدود القرن الثالث عشر. حيث كان لعدد من الاكتشافات العلمية دوراً كبيراً في تغيير طريقة تفكيرهم السابقة." انتهى النقل. وإن كان المؤلف "بحدود تصفحي" أهمل ذكر أثر الفكر الإسلامي في هذا التطور. ولكني أرى أنه يشفع له حالياً أننا وبرغم تاريخنا عدنا للتفكير النوعي على حساب التفكير الكمي إذا افترضنا وجوده لدى المسلمون في عصر نهضتهم بينما الأوربيون مازالوا يستفيدون من طريقة التفكير الكمي في العصر الحاضر. وكما يقال "ليس الفتى من قال كان أبي......إن الفتى من قال ها أنذا"
التفكير الكمي يعمل كحافزٍ داخلي للإنتاج العلمي, وإلا فما الذي يدفع "رجلاً عاقلاً" للخروج من بيته كل فصل على مدى خمسين سنة لقياس منسوب النهر المجاور لبيته وتسجيل تلك القياسات في كتاب؟؟؟؟؟؟؟؟ وهذا بالضبط ماقرأت أن أحد العلماء كان يقوم به في إحدى القرى الأوروبية في بدايات عصر النهضة, وقد استعملت مخطوطته القيمة قبل فترة لمقارنة مستوى الأنهار الأوروبية في الماضي والحاضر, لمعرفة أسباب انخفاض مستوياتها وإيجاد حلول لتلك المسألة هذا الرجل علم أن لاتطبيق مباشر لعمله في عصره, لكن حب القياسات في ذاتها, وربما التشجيع أو التقدير الشعبي للعلماء الذين يحولون العالم من حولهم إلى أرقام يمكن التعامل معها علمياً قد يكون دفعه لذلك. هذا الحافز أسهم في تطور جميع أدوات القياس التي لا يمكننا الاستغناء عنها حاليا, ابتداءً بالنظام المتري للمقاييس, مروراً بأدوات قياس الضغط الجوي والرطوبة, وصولاً وليس انتهاءً إلى أجهزة قياس الطيف الضوئي وسرعة الجسيمات. مافعله ذلك الرجل يمكن تسميته إحصاءً
" Statistics "
حيث يتم عمل أكثر من قياس لنفس الشيء على مدى زمني أو قياس واحد لأكثر من شيء للخروج بمعلومة مفيدة. وكانت هناك العديد من الإحصائيات المفيدة في تاريخ النهضة الأوروبية أحد أمثلتها عدد الموتى في وباء الطاعون الأسود الكبير. والتي استفاد منها العلم والطب الحديثين كثيراً.
الإحصاء " Statistics "
والملاحظة الدقيقة " Observation "
والقياس " Measurement "
من أعمدة العلم فلا يمكن الاستغناء عنها أبداً ولكننا أهملناها تماماً في تاريخنا القريب. وطبعاً لابد للملاحظة من توثيق. لكن التوثيق هو أمر آخر أهملناه بسبب تفكيرنا النوعي. فنحن نكتفي بملاحظتنا لبعض الظواهر من دون اهتمام أو توثيق. حدثني أبي عن خليط معدني يستعمل في صناعة نوع من أجود أنواع المبارِد (جمع مِبرَد) كان يصنع في الأحساء ويستخدم في الصياغة. ولكن للأسف لم يتم توثيق مكونات هذا الخليط ففقدت مع الزمن. في المقابل أبهرني مقال قرأته قبل فترة عن طبيب فرنسي شاهد خلية نباتية عندما اخترع المجهر لأول مرة فقام بتسجيل " ووصف" جميع ما رآه أنذاك والذي كان وصفاً دقيقاً جداً برغم قوة التكبير الضعيفة لذلك المجهر البدائي ومع أنه يجهل تماماً ماهي تلك النقط أو العضيات التي يراها ويسجل رؤيته لها. أما بالنسبة للقياس فتفكيرنا النوعي يجعل الفرد العربي "يلاحظ" أن البرق هو أسرع مايمكن أن يراه وبالتالي يشبّه به حصانه أو "سيارته", لكنه لا يحفزه على محاولة "قياس" سرعة البرق لأن هذا خارج عن اهتماماته "النوعية" كالقوة والشجاعة والفروسية, وواضح تماماً ان هذا التمسك بالتفكير النوعي على حساب التفكير الكمي قد تجلى بشكل ظاهر في حياتنا اليومية وفي طريقة تفكيرنا وفي إنتاجنا الأدبي بل وحتى إنتاجنا الصحفي. لكن للأسف يبدو أن اهتماماتنا الكمية تنحصر في عدد الأولاد.
لا أظن أنني أود الكتابة أكثر عن هذا الموضوع لأنه يؤلمني كثيراً.
سلام عليكم.