طبعاً كل هذه المهن التخصصية تتضمن هيئات تنظيمية تحافظ على مستوى تأهيل منسوبيها, وتتاكد من موافقتهم لشروطها, لتضمن كفاءتهم, ولتحافظ على سمعة المجتمع المهني الذي تمثله, وتمنع الدخلاء من الإساءة له. هذه الهيئات التنظيمية تتضمن النقابات و الجمعيات المهنية و حتى الكليات المتخصصة, وهذه الهيئات بمجملها تقوم بمهمة الرقابة الداخلية, طبعاً كل في مجاله. في المقابل هناك رقابة المؤسسات القانونية والحكومية من قضاء وشرطة ودوائر رقابية حكومية وغيرها, وهذه تقوم بمهمة الرقابة الخارجية.
في الغالب تكون الرقابة الداخلية أكثر تفهماً لظروف المجتمع المهني وحيثياته, وأكثر فهماً لطبيعة عمله, وأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الجودة والربحية, بسبب اتصالها المباشر بالوسط المهني, وكون أغلبية منسوبيها من المختصين في نفس المجال. كما أن اهتمامها بهذا الدور غالباً ما ينعكس إيجاباً على المجتمع المهني بازدياد الثقة فيه سواء من قبل الناس أو من قبل الهيئات الرقابية الخارجية.
مثلاً عندما تشدد الكليات الصحية شروط القبول لديها, وتحد من تخرج الممارسين الغير أكفاء منها, وتحاول تطبيق أفضل المعايير التعليمية على طلابها. وتقوم الهيئات الصحية بالتدقيق في عملية استقطاب الممارسين الصحيين, والتأكد من تأهيلهم وكفاءتهم. وفي نفس الوقت تراقب الجمعيات الطبية الوسط الطبي المحلي وتعلن عن أي انتهاك للمعايير العالمية من قبل أي ممارس صحي, وتحذر من التعامل معه. وتنشر باستمرار أسماء الممارسين المعتمدين من قبلها وأولئك الغير معترف بهم. بالإضافة إلى مراقبة عملهم والتحقق من التزامهم بالمعايير المتعارف عليها. مع عدم التنصل من المسؤولية عند حدوث أي تجاوزات في أي من القطاعات الصحية, بل تعمل على معرفة أين يكمن الخلل وأين محل التقصير, وعلى التأكد من عدم تكرار هذه التجاوزات, وعلى سن الأنظمة والقوانين الكفيلة بالحد منها. فإن مستوى الخدمات الصحية في البلاد سيرتفع وستزداد ثقة الناس والأجهزة الرقابية الأخرى بالجهاز الصحي بشكل عام. ويصبح في نظر الناس أي خطأ من قبل أي من المحسوبين على هذا الجهاز مجرد خطأ فردي, لا يقلل من شأن البقية الذين عرف عنهم الإخلاص والكفاءة, ولا يسيء إليهم.
أما عندما يضمحل دور الرقابة الداخلية وتهمل الهيئات الرقابية الداخلية للمهن الصحية في مثالنا دورها, وتغض النظر عن تجاوزات أفرادها, ولاتهتم بالتأكد من تأهيلهم, أو التحقق من شهاداتهم. أو لا تقوم بتوفير إجراءات رقابية مناسبة لحملهم على الالتزام بالمعايير المعتمدة, و تنشغل بالرد على الانتقادات الخارجية لها و إنكار وجود أي تجاوزات, أو نفي مسؤوليتها عن هذه التجاوزات. وتصر على أن قضايا الإهمال والأخطاء الطبية ما هي إلا أخطاء شاذة لا دخل لها بها, وأنها تقوم بدورها على أكمل وجه. فستتدخل هيئات الرقابة الخارجية لتسد النقص الحاصل, وسنسمع كل فترة عن أن الشرطة أوقفت طبيباً يحمل شهادة مزورة, أو أن القضاء ينظر في قضية إهمال أو خطأ طبي, بينما تنكر الهيئات الصحية (هيئات الرقابة الداخلية) وجود أي مشاكل أو تقصير من جانبها, وتبرئ نفسها. فإن الناس ستفقد ثقتها بهذا الجهاز, وربما تتجه لطلب العلاج في قطاعات أخرى أو حتى بلاد أخرى. وحتى الهيئات الرقابية الخارجية فإنها ستنظر لهذا المجتمع المهني بعين من الشك. وتشدد القيود الخارجية على أفراده, وتحد من صلاحياتهم.
قد تكون هذه المقدمة مدخلاً غريباً للحديث عن الوسطية, لكن وجه التشابه الذي أراه هنا هو أن وظيفة الهيئات الرقابية بالنسبة لأي مهنة, هي كوظيفة النقد بالنسبة لأي فكر. فكما ان هناك رقابة داخلية وأخرى خارجية, كذلك النقد فهناك نقد ذاتي داخلي, وهناك نقدٌ خارجي. يقوم النقد الداخلي - من قبل المنتمين لهذا الفكر - بإظهار الأفكار المتطرفة أو الأفكار المنحرفة الداخلة في هذا الفكر بشكل مستمر وبيان عيوبها وأوجه قصورها, كما أنه يهيء لإيجاد حوار داخلي مستمر بين أتباع هذا الفكر, لصيانة الفكر باستمرار والمحافظة على خط سيره وتوجهه المطلوبين وضمان عدم انحرافه. أيضاً يضمن النقد الداخلي ازدهار الجو العلمي الذي يعيش فيه هذا الفكر, وإيجاد وسط يسمح بالتبادل الحر للأفكار الجديدة وصيانة الأفكار القديمة خصوصاً عندما يمضي على تداولها وقت طويل. في المقابل يقوم النقد الخارجي ببيان عيوب المبادئ التي يقوم عليها فكر آخر أو مدرسة أو مذهب آخرين, إما للدخول والإنتشار بين أتباع الفكر الآخر, أو لمنع تأثيره على أفكاره أو أتباعه.
هنا نجد أن الفكر نفسه يقوى وينتشر ويزداد احترامه بين الناس عندما يقوم أفراده بنقده ذاتياً ويقومون بمحاولة تخليصه من كل ما يشوبه ويسيء إليه. وهنا أتحدث خصوصاً عن نقد التطرف في الفكر, من دون التهرب من تبعية هذا التطرف له, لأن من الملاحظ اهتمام العديد من أتباع أي فكر بنقد ما يرونه انحلالاً من فكرهم, وإهمال نقد التطرف فيه. وكذلك عندما لا يقوم أساطين هذا الفكر ورموزه بالتساهل مع أتباعهم المتحمسين, بل يبذلون جهدهم بإبقائهم ضمن المسار المرسوم لهذا الفكر وإن عنى ذلك خسارتهم لبعض هؤلاء الأتباع. كما يزداد احترام الناس وتقديرهم لهذا الفكر الذي يبذل أتباعه جهدهم واهتمامهم في النقد الداخلي لأفكارهم ولممارساتهم على حساب النقد الخارجي لأفكار وممارسات الآخرين. وبحيث لا يبقى مجال للنقد الخارجي ليصطاد في الماء العكر (وإن بنية حسنة).
بينما عندما يهمل المنتمون إلى فكر معين هذا الدور وينطفئ (أو يطفأ) صوت النقد الداخلي, و عندما ينظر أصحاب هذا الفكر إلى أي صوت للنقد الداخلي على أنه صوت خيانة أو تأثر بالفكر الآخر, ويقومون بإسقاطه من حساباتهم. وفي نفس الوقت يعتقدون بأن فكرهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويتبارون في إطلاق التبريرات لكل ما يثار حوله, أو قد ينشغلون بالنقد الخارجي للآخرين أو بالرد على الانتقادات الخارجية لفكرهم واستنكارها على حساب النقد الذاتي لفكرهم. فإن أتباعه يصابون بالغرور الذي يعميهم عن رؤية أخطائهم, ويبدأ فكرهم بفقدان مصداقيته وتتضح عيوبه ونواقصه وتتزايد إساءات أتباعه. ويتزايد دور النقد الخارجي على حساب دور النقد الداخلي في صيانة الفكر وتزداد قدرته على بيان عيوب هذا الفكر ويستطيع تقديم البديل الذي يبدو أفضل للناس, ويسير هذا الفكر في الطريق المؤدي للإندثار والنسيان.

9 التعليقات:
ahlan Accord. I do read and speak Arabic very well.
Lakin afathel iny aktib bil English because I am better at it, and because ma3arif I type bil 3arabi.
Thanks for visiting my blog, and I hope I become a regular reader of yours.
بسم الله الرحمن الرحيم
احسنت اخ اكورد
موضوع جميل وفيه لفته مهمه...
أحب اعلق على كلامك
---------------
ان اللي عنده فكره او رساله
او يكون منضم لمجموعه لها افكار
ربما تكون مختلفه عن المجتمع اللي عايش فيه
ويحب يتحاور مع الاخرين..
مثل انه يطلب منهم انهم يستمعون له
ويفتحون له المجال انه يوصل لهم افكاره ويتكلم!...
---
ايظاً لازم منه انه يستمع لهم ايظاً
لان في نقطه لازم تكون في بال الجميع
ان دائماً الحقيقه لها أكثر من وجه...
خل اكتب لكم مثال
_______________
(خذوا 3 عميان لغرفه فيها فيل...وقالوا لهم تحسسوه وقولوا لنا وش هالفيل؟
(طبعا اهم عميان من الولاده وعمرهم ماشافوا الفيل)
قال الاول الفيل هو 4 عمدان ممدوده من الارض
وقال الثاني الفيل شيء يشبه الثعبان بالضبط
وقال الثالث الفيل يشبه المكنسه!
_____________________
ويوم لاحظوا ان كل واحد يختلف وجهة نظره عن الثاني قاموا ويتهاوشوا!...ويتهم كلواحد منهمالاخر انه كاذب
_____________________
بالتأكيد لاحظتوا معي ان الاول مسك رجول الفيل والثاني مسك خرطومه والثالث مسك ذيله!...)))
_______________________
ملاحظه:
كل واحد منهم اعتمد على برمجته وتجاربه السابقه.ولكنه لم يلتفت الى تجارب الاخرين!
وهذا اكبر خطأ...
_________________
في القصة السابقه هل كان احد منهم يكذب؟ بالطبع لا
من السخيف ان الكثيرين منا لايستوعبون فكرة ان للحقيقة اكثر من وجه فحين نختلف لايعني ان احدنا على خطا
قد نكون جميعا على صواب لكن كل منا يرى مالا يراه الاخر
ان لم تكن معنا فانت ضدنا...!
لانهم لايستوعبون فكرة ان رأينا غير
صحيحا بالضرورة بمجرد انه راينا
___________________________
لاتعتمد على نظرتك وحدك بالامور فلابد ان تستفيد من اراء الناس لان كل منهم يرى مالا تراه
رأيهم اللذي يكون صحيح او على الاقل مفيد لك!...
______________________________
هذا بالنسبه لتعليقي حول...
تصرف ايشخص حول النقد اللي يجيه
او تصرف الشخص لما يكون حاب يوجه النقد للطرف الاخر
-------------
اما حول النقد الداخلي
انا اشوف ان المفروض اذا اي احد بينقد فكر معين او قضيه
لازم يكون شخص مؤهل للنقد
والسلام عليكم!
عيدك مبارك اخي اكورد
ومقال مثقل بالتحليل العميق والمنطقي
واسقاط جميل على واقع المؤسسات الطبية
صديقي أكورد
مقال جميل، وفيه فكرة مهمة، كما أن التسلسل فيه كان سلس ومفيد للموضوع، وحتى في مثالك عن المؤسسات الصحية قدمت نقدا في محله، وبنفس الوقت كان مثالا يخدم فكرتك،أتفق معك فيما ذكرت، ويمكننا اسقاط فكرتك على كثير من التجمعات ان صح التعبير، مثل الأنظمة السياسية العربية اليوم، أو حتى المؤسسات الحكومية، وغيرها...
تحـــــــياتي لك والى الأمـــــام..
Lady,
Thanks for visiting.
-------------
أختي سما,
شكراً على المداخلة اللطيفة, وخصوصاً قصة العميان الثلاثة.
شكراً مرة أخرى.
-------------
أخي باحث, الله يبارك فيك.
وشكراً على مرورك.
مقال رائع جدا جدير باالأحترام والتقدير .
كنت مع أحد الأستشاريين في مستشفى التخصصي اتحدث معه عن نسبة نجاح عمليات الزراعة للنخاع واسباب تفاوتها بشكل عام وليس بشكل خاص فكان رد مدير قسم الزراعة بأن المحولين من مستشفى ارامكو نسبة نجاح العمليات المزروعة لأبناء منسوبيهم أو المحولين منهم تفوق 90 % وبذلك فهو يتحدث عن نسبة عالية جدا لأسباب عدة: سرعة و دقة التشخيص الطبي والرعاية الطبية لما قبل الزراعة ومراعاة المريض مابعد الزراعة بينما كان يتحدث بمرارة عن المستشفيات الحكومية في بطء التشخيص الطبي لكثير من الحالات الخطيرة و التأخر في الوصول الى النتيجة الدقيقة والمطلوبة للمريض وبعد ذلك يأخذ المريض الأجراءات الروتينية المعقدة والطويلة والمملة مما يقلل وبشكل كبير فرصة نجاح عمليات الزراعة بسبب تحويلها متأخر كذلك الدكتور لم يقف الى هذا الحد بل ظل يلقي باللوم على المستشفيات الحكومية بأن المريض عندما يبداء يتماثل للشفاء لدينا كثير من الحالات الطبية تعود وتتراجع نسب النجاح الى نسب فشل غير متوقعة بسبب عدم الرعاية الجيدة
من المستشفيات الحكومية .
فلو رجعنا الى الأسباب التي تؤدي الى ذلك كثيرة ولعلك يا دكتور علي تطرقت لبعض المشاكل الطبية .
هذا تعليق تكملة للمشاركة السابقة *
لدي تعليق على هذه الجزئية "مثلاً عندما تشدد الكليات الصحية شروط القبول لديها, وتحد من تخرج الممارسين الغير أكفاء منها, وتحاول تطبيق أفضل المعايير التعليمية على طلابها. وتقوم الهيئات الصحية بالتدقيق في عملية استقطاب الممارسين الصحيين, والتأكد من تأهيلهم وكفاءتهم"
من وجهة نظري الشخصية عندما اتحدث مع والدي أو مع من أكمل تعليمه الثانوي أكثر من 28 سنة ونتحدث عن معايير القبول في تلك الفترة وخصوصا في الكليات الصحية كانت شروط القبول لاتخضع لتلك الصرامة حتى ان شروط القبول تتضمن من يتخرج اكثر من 75%
يعني جيدجدا وحتى جيد مالفرق بين ذلك الوقت وهذا الوقت مع ان من التحق كثير منهم الأن استشاريين يحملون اعلى الرتب الطبية وانا في رأيي الشخصي لم يتم وضع الشروط الأصرم للقبول في تلك الكليات من أجل الحصول على الأكفئ بل بسبب كثرة المنافسة وقلة المقاعد الطبية و زيادة الراغبين في مواصلة تعليمهم في رأيي اناان الدولة لم تكن تهدف في صرامتها من أجل اخراج كوادر طبية منتقاة فلو رأينا الدول المتقدمة طبيا كا أمريكا و الدول الغربية قادرة على استيعاب اكبر قدر ممكن من الخريجين حتى الكثيرين ممن يجدون نفسهم غير مؤهلين بالألتحاق بالكليات المحلية يذهبون للخارج بقصد اكمال دراساتهم الجامعية وأخص بالذكر الطبية ويعودن ويمارسون مهنة الطب المشكلة الكبرى في نظري عندما قرات تصريح وزير الصحة السابق الشبكشي وهو يقول بأننا سنحتاج الى 30 سنة بزيادة
اعداد السكان والمواطنين الى تغطية العجز في الكوادر الطبية ونحن نرى الى العام الماضي بأن هناك كليتان طب اسنان في سعود وعبدالعزيز وحاليا فيصل واما خريجين جامعتي سعود وعبدالعزيز لايتجاوز خريجين طب الأسنان أكثر من80 شخص في السنة أناارى ان هناك خلال كبير جدا وتصريح الوزير خطير جدا فهل نستطيع ان نسمي مايحدث هو اليه لتخريج الممارسين الغير أكفاء منها, وتحاول تطبيق أفضل المعايير التعليمية على طلابها وهل هذه الأعداد كافية لتغطية العجز في مدن قبل أن نقول مناطق الممملكة وكلنا يعلم بأن في كل حي أو قرية سكنية موجود تقريبا مركز صحي
وفي النهاية اتمنى ان ارى في وطني جامعة طبية معنية فقط بالتخصصات الطبية موازية لجامعة البترول ولقد تم تأسيس فكرة جامعة البترول المعنية فقط بالتخصصات الهندسية والعلمية نظرا لحاجة البلاد الماسة مع بداية الطفرة للمشاريع وسد احتياجات البلاد والأن نحن نحتاج الى جامعات طبية وهذا جزء من أحد الحلول الممكنة .
عزيزي طارق, شكراً على دعمك المتواصل.
------------------
صديقي بسام,
واقع المؤسسات الصحية في المملكة هو من السوء بحيث يحكي نفسه.
أما بالنسبة لتشديد شروط القبول في الكليات فهو في رأيي من الضرورات الملحة. الاستشاريين الذين دخلوا كلية الطب بنسب منخفضة في الماضي والذين تتحدث عنهم, هم الذين يديرون قطاعنا الصحي حالياً. ولا أعتقد أنك تظنهم يبلون حسناً. نعم هناك الأكفاء بطبيعة الحال, لكن الغير أكفاء منهم هم سبب تردي الوضع الصحي الحالي بلا شك.
وللأسف ما زالت هناك بعض الكليات في البلدان المجاورة, والتي تستقطب الطلاب ذوي القدرات المنخفضة وتسمح لهم بالحصول على شهادات ورقية تمكنهم من العودة ودخول نظامنا الصحي.
نقص الكادر الصحي هو فعلاً مشكلة, لكن ملأ الفراغ بكوادر غير مؤهلة سيخلق مشاكل أكبر بكثير على المدى البعيد.
شكراً على مرورك أخي بسام.
اخ اكورد والموجودين
أتمنى مروركم لمدونتي المتواضعه
وزيارتكم لموضوع
"العقل البشري والعادات السلوكيه الـ10 للشخص الناجح"
حتى أستفيد من ارائكم النيره
(-:
اختكم
إرسال تعليق