السبت، 4 أغسطس، 2007

الزواج من علبة



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


في السعودية يتم الزواج في العادة بطريقة الزواج المدبر, وهي طريقة موجودة في أغلب دول العالم وإن كانت بطرق مختلفة قليلاً. طريقة الزواج المدبر هذه في بلادنا أحب أن أسميها "طريقة الزواج من العلبة" , وطبعاً أحتفظ بحقوق الملكية الفكرية لهذا المسمى.

في العادة عندما ينوي الشاب السعودي أن يقدم على الزواج, فإن عقله يكون قد انشغل خلال السنوات العشرين التي سبقت تلك اللحظة بفكرة, ياترى كيف ستكون شريكة حياتي المستقبلية؟؟؟؟

ذلك لأن جدار الفصل العنصري الذي أشارت له الأخت باربكيو في مدونتها, يكون قد منع هذا الشاب المسكين خلال فترة حياته, من معرفة أي فتاة بطريقة سليمة ومناسبة بحيث يمكن أن يعجب بها أو تعجب به, وبالتالي فهو مشغول بتخيل فتاة أحلامه ووضع المواصفات والمقاييس التي يعتقد أنها ما يريده في شريكة حياته المستقبلية. طبعاً تتعلق أغلب هذه المواصفات بالشكل والطول واللون, وفي بعض الأحيان مستوى التعليم والوظيفة, وفي أحيان أخرى العائلة أو القبيلة أو حتى الجنسية.

هذه المواصفات والمقاييس تتحول إلى علب تحيط بكل الفتيات في بلادي, فكل فتاة تحيط بها علبة مواصفاتها والتي سيأتي شاب في يوم ما ليقلبها في رأسه هي مع العديد من العلب الأخرى, وليقرأ المواصفات المطبوعة على جانبها بدقة تتفاوت بتفاوت دقة ملاحظة الأهل. طبعاً ينسى هذا الشاب المسكين أن بداخل هذه العلبة إنسان, فيظن أن بداخلها غرض ما, وأن هذه المواصفات تمثل تماماً ما بداخل العلبة. كما هي الحال مع جهاز الجوال الذي اشتراه منذ فترة قصيرة. عندما يقلب هذا الشاب العلب يختار صاحبة المواصفات المثالية في نظره, بحدود ميزانيته طبعاً, ومن ثم يتقدم لخطبتها.

عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة فإن أول ما يفعله أهل الفتاة هو السؤال عنه, ومن ثم يختارون الموافقة أو عدم الموافقة عليه. وهذا بحد ذاته لا بأس به لأن سمعته وسمعة أهله مهمة, وهي الطريقة الوحيدة لمعرفته, بالنسبة لهم. المشكلة أنهم عندما يخبرون الفتاة بتقدم شخص لخطبتها, ويسألونها عن رأيها, فإنهم يحيطونه بعلبة شبيهة بعلبتها. هذه العلبة طبعت عليها مواصفاته والتي تتعلق بالدرجة الأولى بشهادته ووظيفته وراتبه ونوع وموديل سيارته.

عندما تحصل الموافقة من الفتاة, يبدأ الإثنان في مرحلة جديدة وهي مرحلة إخراج الآخر من علبته ليتعرف عليه وعلى شخصيته. وفي الواقع يختلف توقيت هذا التعارف باختلاف عادات وتقاليد كل مجتمع في بلادي. فهناك من لا يتسنى له إخراج شريكه من العلبة إلا بعد الزواج, وبعضهم بعد العقد (المِلكة, أو كتب الكتاب) وبعضهم بعد موافقة الفتاة وأثناء فترة الخطوبة.

طبعاً بعد أن تسقط العلبة المحيطة بكل منهما ويظهر الإنسان الذي بداخلها, يكتشف الطرفان أن الإنسان أكبر من أن يتم اختصاره بعدد من المواصفات مكتوبة على جانب علبة, فهو أكثر عمقاً وتعقيداً. وبرغم أن مواصفات كل منهما كانت مناسبة جداً للآخر, إلا أن هذا الإنسان الذي يحملها قد يكون وقد لا يكون مناسباً للآخر. ليس لعيب فيه لا سمح الله بل بكل بساطة لأنه إنسان ولأن الإنسان لا يمكن تمثيله ببساطة بمجموعة بمواصفات, وإلا فمن منا يتخذ أصدقاءه بناء على مواصفات ومقاييس معطاة؟؟؟ قد يكون الإثنان محظوظين بتوافقهما بعد التعارف, وقد لا يكونان. وعندما لا يكونان محظوظين, يعيد كل منهما للآخر علبته, ويترك الشاب الفتاة ليبحث عن علبة أخرى بداخلها فتاة أخرى. أما الفتاة فتدخل علبتها مرة أخرى لتنتظر القادم الجديد.
للأسف لا تعود العلبة كما كانت, بل يختم عليها من قبل المجتمع أنها قد أخذت من قبل وأرجعت. لذلك فمن يقلب العلبة بعد ذلك يرى أنها مرجعة, فيفكر مرتين قبل أن يقدم على اختيارها لأنها بحسب تفكيره وتفكير المجتمع, ربما تكون تحمل عيباً لم يذكر على العلبة وإلا لماذا تركها الذي قبله؟؟؟ ولا معنى لما يسمى توافق أو عدم توافق بين الشخصين, بل هي بالنسبة لهم عملية بيع وشراء.
أيضاً العلبة التي تبقى على الرف لفترة طويلة فهذه في رأي المجتمع من العلب الغير مرغوب فيها, فكل الراغبين ينظرون لتاريخ الإنتاج جيداً, طبعاً تاريخ انتهاء الصلاحية لا يتعدى أربع سنوات بعد الإنتاج. فهي من ست عشرة سنة إلى عشرين سنة لدى المجتمعات البدائية, أو من العشرين إلى الرابعة والعشرين لدى المجتمعات الأكثر تطوراً. طبعاً هذا بالنسبة لعلبة الفتاة. أما علبة الرجل فلا يوجد لها تاريخ انتهاء صلاحية أبداً, وبإمكانه في السبعين من عمره أن يتزوج ابنة العشرين.
بطبيعة الحال فإن الحلول تختلف باختلاف المجتمعات, فهناك بعض المجتمعات التي تحتاج فقط لدفعة صغيرة فهي تسير في الاتجاه السليم. وهناك مجتمعات أخرى تحتاج لإعادة برمجة منظومتها بالكامل, لتتعلم النظر إلى الإنسان كإنسان. ولتسقط منظومة المواصفات والمقاييس والنظر إلى الزواج كعملية بيع وشراء, وتقوم بدلاً منها منظومة التوافق والتفاهم بين روحين وشخصين قد يجمعهما أو لا يجمعهما شيء واحد مشترك, ولا تنطبق على أي منهما أي مواصفات أو مقاييس قد يضعها أي كان, إلا أن كليهما قادر على الحب وعلى العطاء.
الحديث حول هذا الموضوع يضايقني كثيراً, لأنه يترك في روحي فراغاً كبيراً تركته عاداتنا وتقاليدنا المقدسة.
سلام عليكم.

14 التعليقات:

زرجلية يقول...

عزيزي أكورد..

أتعلم (على طاري العُلَب)ربما أنا محظوظة لأن عُلبتي كانت مفاجأة لي.. لم أقرأ مواصفاتها فتحتها فخرج فارس أحلامي دون أن أرسم له تصوّراً في عقلي الصغير حينها..لذا كانت عندي مناعة ضد أي صدمة لأني ببساطة لم أحلم!!ههههههه

تحياتي لك ودعواتي لك بالتوفيق والله يبلغك بعلبة من العُلب الزينة يارب..

A Friend يقول...

فكرة العلب أعجبتني...فهي مبتكرة
و كل الأفكار التي طرحتها فيها صحيحة...

فقط سؤال...
لقد قلت أن سن زواج الفتاة في المجتمعات المتطورة..
من العشرين إلى الرابعة و العشرين...

هل أضفت هذه المعلومة بناءا على رأي شخصي...؟

أم أنك استندت على مرجع أو مصدر في هذه المعلومة..؟

و هل لي بمعرفة مصادرك..

إن كنت مستندا على الملاحظة و التدقيق الشخصي..فاسمح لي أنت اعتمدت على أساس متغير من بيئة إلى أخرى..

قد يكون في بيئتك هو كذلك لكنه في بيئة أخرى لا ينطبق...

و النقطة الأهم...

"أنه لا يوجد سن زواج معين للفتاة...أو مدة صلاحية...هذا هو الأصل الصحيح..."

و أنا أستند في قولي هذا على الدين...

فقد تزوجت السيدة خديجة من الرسول و هي في الأربعين...و لم يرد في السيرة النبوية أن هناك من اتهمها أو أطلق عليها لقب عانس...

كما أني أجد في قصة السيدة خديجة الكثير ما نقف عنده...

فقد اختارت الرسول بنفسها شريكا لحياتها...و لم يرد أيضا أن أحدا اتهمها بالجنون أو الجرأة ...

و قد كان يصغرها...

و بالرغم من هذا فقد كانت من أحن زوجات النبي و أكثرهن حكمة و مودة.. كانت سكنا له..


هو بالتأكيد الحديث عن موضوع الزواج مرهق...و متشعب و شائك...و غير مرضي...
أتمنى أن يوفق الله الجميع إلى الخير...

فليس المهم الطريقة...

الأهم هو السعادة...

Accord يقول...

أختي زرجلية, شكراً على مرورك بمدونتي.

أنا لا أريد الزواج من علبة. أنا أتمنى لو أقابل فتاة أحلامي في مكان عام, وفي بيئة صحية طبعاً (ليس في مجمع الراشد مثلاً). فتعجب بي أو أعجب بها, بغض النظر عن جميع المواصفات المكتوبة على جوانب علبتينا.

Accord يقول...

أخت Friend ,
شكراً جزيلاً على متابعتك لأفكاري.

لم أقصد هنا المجتمعات المتطورة بمعناها. كنت أتحدث عن المجتمعات البدائية في السعودية أي مجتمعات القرى, والمجتمعات الأكثر تطوراً في السعودية أيضاً أي كمجتمعات المدن. وأنا هنا أصور ملاحظاتي على الواقع المعاش, لا كما هو مفترض أن يكون.

أنا شخصياً لا أتبنى أي من هاتين الفكرتين. فأنا أرى أن الزواج لا يحد بعمر معين. وإن كنت أرى أن الميل العام للزواج بفتاة أصغر هو سبب في مشاكل أخرى, وقد تطرقت لإحداها في مقالة سابقة.

لكنني أتفق معك تماماً في قولك :"أنه لا يوجد سن زواج معين للفتاة...أو مدة صلاحية...هذا هو الأصل الصحيح..."


سلام عليكم

Accord يقول...

أرجو ملاحظة أن ذكري للمواصفات الموضحة على العلب لا يمثل رأيي فيها كما يجب أن تكون, بل كما هي متداولة الآن.

غير معرف يقول...

لاتتخيل مدى إعجابي بعنوان موضوعك

فالتشبيه المعلب شد وتيرتي

والأجمل هو استمرار بتعليب جميع مصنفات

الزواج...وكل هذا بمنطقيه لا اخالفك بها

رائع...حييت

Accord يقول...

أخي (أو أختي) الغير معروف, شكراً جزيلاً على مرورك.
لكن لماذا تبخل علينا بذكر اسمك؟؟

سلام.

سعودي رايق يقول...

أعتذر لم أنتبه

هذا هو اسمي

تحيتي لك

Accord يقول...

أخي الأصغر سعودي رايق. نورت مدونتي.

مبروك المدونة ومبروك انضمامك لعائلة المدونين.

سأعلق مدونتك على جداري.

تحياتي.

هاجر يقول...

صدقت طريقه سامجه جدا

لذا انا مضربه عن الزواج لحين فك عقدتي من مظهر مكمم بصور مبهرجه

......

جميل ، طويل ، وظيفه مرموقه ن عائله راقيه
وماذا بعد ؟؟!!

تفكير يحتضر :(
وتقاليد تتربع
لا يهم تفكير اهم شيء المظهر الخلاب
فانت سوف تعاشر شكل كما يظنون
وليس فكرا

.............
مقياس فذ :
امها فلانه وابوها فلان ؟ يعني هي تشبههم مثلا او هو نسخه منهم !!


...................

سؤال عالق :
كيف يمكن ان اجد من يناسب في ظل
وجود تفكير عقيم ، وشهوه مقدمه على كل شيء ؟
غير ان الصدق لدى الاغلب الاعم مفقود والشفافيه

هي لست مسألة علب مغلفه ، هي مسأله اخرى من الاخلاقيه الضائعه

Accord يقول...

أخت هاجر,

طريقة توصيف رائعة, وسخرية قاتلة.

نعم مقاييسنا الأخلاقية معطلة, وعاداتنا وتقاليدنا تحتاج الكثير من إعادة النظر.

شكراً على المرور.

Ahmed يقول...

سلام صديقي

كم هي رائعة فكرة العلب
اود ان اضيف انه في مجتمعنا اختيار العلبة من قبل الأب و الأم يمثل شي من سيطرتهما على علبة ابنهما ابتداء من اختيار العلبة الى حفلة الزواج

تحياتي

Accord يقول...

صديقي أحمد,
رزقك الله العلبة التي تشتهي.

الأم في مجتمعنا هي المسؤولة الأولى عن تقليب العلب واختيار الأصلح منها حسب رؤيتها. فطبيعي ألا يعجبها اختيار الإبن لنفسه.

تحياتي.

مازال للحديث بقيه يقول...

أكورد اسعد الله مساءك
مع اني كنت اوي اسئل عن معنى الاسم

المهم موضوعك كبير وجميل
لاني شاب اعاني من هالموضوع

وألغيت فكرة الزواج او أجلته الى مالا نهاية
موضوعك حيل اعجبني
تقبل مروري المتواضع