السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كانت بدايتي في مستشفى الدمام المركزي عبارة عن صدمة نفسية. إذ شهدت ولأول مرة عملية التخليل الحكومي. وهذه لمن لايعرفها فهي عملية تشبه صنع المخللات. إذ يتم وضع الموظف الجديد طبيباً كان أو غير ذلك في بيئة مملة, عديمة الطعم والرائحة, يضاف إليها بعد ذلك بعض التسيب والفساد فيفقد خلالها نكهته وإبداعه ليتحول إلى موظف حكومي يشبه في طعمه ورائحته بقية الموظفين والذين تعرفون رائحتهم جيداً. وبرغم احتواء المستشفى على كفاءات طبية وفنية رائعة لا يستطيع أحد إنكارها, إلا أن هذه الكفاءات إن لم تتحول هي ذاتها إلى مخخلات فإنها تستسلم للفوضى الإدارية المطبقة على المستشفى, والتي ينتج عنها مانراه جلياً من تأخر للمواعيد, وكثرة ساعات العمل المهدرة, والأخطاء الطبية المتكررة.
إدارياً هناك بعض الأساسيات التي تفتقدها جميع الإدارات الحكومية أو كما أفضل تسميتها (((الدوائر)) الحكومية). هذه الأساسيات مفقودة أولاً لعدم وجود كفاءات إدارية, ثانياً لعدم وجود ثقافة النظام والانضباط لدينا كشعب. فمثلاً لولا هذه الثقافة التي تشربت بها دماء إخوتنا الفلبينيين لكانت حياتنا في الكلية في السنوات السبع الماضية عبارة عن كتلة من الفوضى. إذ كنا نحتاج إلى عدد كبير من المرضى خلال وقت قصير, عدد أكبر مما يستطيع أي موظف استقبال سعودي أن يتعامل معه. وكنا نتعامل مع أنواع متعددة من المواد والأدوات أكثر مما يستطيع أي مساعد طب أسنان سعودي أن يرتبه ويضعه في العيادة. وكانت سكريتيرات الأقسام يتعاملن مع كميات من الأوراق والتعاميم والطلبات أكبر بكثير مما تستطيع أي سكرتيرة سعودية التعامل معه. طبعاً أنا أتحدث عن فنيين سعوديين أكفاء لكنهم فاشلون إدارياً. لذلك وبرغم تشابه إدارة الكلية مع غيرها من الدوائر الحكومية إلا أن وجود أكثر من 50 موظفاً فلبينياً (لا أتمنى سعودة وظائفهم) ساهم في سير العمل فيها بشكل سلس ومنظم.
الأساسيات التي تنقص مستشفى الدمام المركزي, تتعلق بجميع الخطوات الإدارية. فمثلاً يفترض أن تسهل القرارات والأنظمة الإدارية سير العمل وتزيد الإنتاجية, لكن الذي يحصل أن الأنظمة التي تطبق قد وضعت بشكل عشوائي فينتج عنها تعطيل سير العمل مما يدفع بالإدارات والموظفين إلى تحييدها بعد فترة من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. فأصبح الأصل هو تجاوز النظام لا تطبيقه. وكما أن تقليل الأخطاء البشرية بالاعتماد على اللوحات الإرشادية والبروتوكولات كان هدف اللجنة العالمية المشتركة في مستشفى الحرس الوطني, فإن غياب اللوحات والمنشورات الإرشادية والبروتوكولات التنظيمية هو أمر في غاية الوضوح في مستشفى الدمام المركزي. ابتداءً باللوحات التي تدل على أماكن الأقسام الطبية المختلفة, مروراً باللوحات الإرشادية للتعامل مع حالات الطوارئ والتي يجب أن تحمل رقم الطوارئ في المستشفى, وانتهاءً بالمنشورات التعليمية التي يجب أن تعطى للمريض لاحتياطات ما بعد العمليات الجراحية. إذ لا أعرف أيهما أسهل وأكثر جدوى, هل هو إعطاء ورقة للمريض تحتوي جميع التعليمات بحيث يقرأها على راحته ويراجعها إذا نسي ويطبقها بحذافيرها, أم ذكرها جميعها للمريض خلال مدة لا تتجاوز النصف دقيقة قد يحفظ خلالها نصف التعليمات أو أقل. كما أن لا أحد حتى الآن يعرف نظام المواعيد في المركز بدقة, إذ أن بعض المواعيد التي نعطيها المرضى ترفض وبعضها تقبل ولا نعرف بكل صراحة على أي أساس. ربما الأساس وعلى الأغلب هو مزاج الموظف. أكثر ما يؤسفني هو ما يبدو على أنه تقديس للعقل البشري وكأنه لا ينسى ولا يخطئ ولا يحتاج إلى تذكير أو حتى تنبيه. مع أننا بفعلنا هذا نصبح أقل احتراماً له. لأن من احترامه معرفة حدوده ونقاط ضعفه ومحاولة التغلب عليها.
فوق ذلك كله نسمي جميع الأخطاء في المستشفى أخطاءً طبيةً مع أن العديد منها في الواقع أخطاء إدارية. ومدير المستشفى الذي يمتلك حصانة من المساءلة هو مسؤول عنها بدرجة أو بأخرى. لكن في المقابل يتم البحث عن كبش فداء من الطاقم الفني لتقديمه قرباناً لوحده.
ما يؤسفني أكثر من ذلك أننا فاشلون إدارياً حتى في بيوتنا وحياتنا اليومية. وفكرة السيطرة على نقاط الضعف في العقل البشري غائبة عن ثقافتنا بشكل كبير. والدليل, إبحثوا عن أي لوحة تعليمية أو تذكيرية صحية كانت أو أخلاقية أو حتى دينية في أي من بيوتنا...
سلام عليكم.
كانت بدايتي في مستشفى الدمام المركزي عبارة عن صدمة نفسية. إذ شهدت ولأول مرة عملية التخليل الحكومي. وهذه لمن لايعرفها فهي عملية تشبه صنع المخللات. إذ يتم وضع الموظف الجديد طبيباً كان أو غير ذلك في بيئة مملة, عديمة الطعم والرائحة, يضاف إليها بعد ذلك بعض التسيب والفساد فيفقد خلالها نكهته وإبداعه ليتحول إلى موظف حكومي يشبه في طعمه ورائحته بقية الموظفين والذين تعرفون رائحتهم جيداً. وبرغم احتواء المستشفى على كفاءات طبية وفنية رائعة لا يستطيع أحد إنكارها, إلا أن هذه الكفاءات إن لم تتحول هي ذاتها إلى مخخلات فإنها تستسلم للفوضى الإدارية المطبقة على المستشفى, والتي ينتج عنها مانراه جلياً من تأخر للمواعيد, وكثرة ساعات العمل المهدرة, والأخطاء الطبية المتكررة.
إدارياً هناك بعض الأساسيات التي تفتقدها جميع الإدارات الحكومية أو كما أفضل تسميتها (((الدوائر)) الحكومية). هذه الأساسيات مفقودة أولاً لعدم وجود كفاءات إدارية, ثانياً لعدم وجود ثقافة النظام والانضباط لدينا كشعب. فمثلاً لولا هذه الثقافة التي تشربت بها دماء إخوتنا الفلبينيين لكانت حياتنا في الكلية في السنوات السبع الماضية عبارة عن كتلة من الفوضى. إذ كنا نحتاج إلى عدد كبير من المرضى خلال وقت قصير, عدد أكبر مما يستطيع أي موظف استقبال سعودي أن يتعامل معه. وكنا نتعامل مع أنواع متعددة من المواد والأدوات أكثر مما يستطيع أي مساعد طب أسنان سعودي أن يرتبه ويضعه في العيادة. وكانت سكريتيرات الأقسام يتعاملن مع كميات من الأوراق والتعاميم والطلبات أكبر بكثير مما تستطيع أي سكرتيرة سعودية التعامل معه. طبعاً أنا أتحدث عن فنيين سعوديين أكفاء لكنهم فاشلون إدارياً. لذلك وبرغم تشابه إدارة الكلية مع غيرها من الدوائر الحكومية إلا أن وجود أكثر من 50 موظفاً فلبينياً (لا أتمنى سعودة وظائفهم) ساهم في سير العمل فيها بشكل سلس ومنظم.
الأساسيات التي تنقص مستشفى الدمام المركزي, تتعلق بجميع الخطوات الإدارية. فمثلاً يفترض أن تسهل القرارات والأنظمة الإدارية سير العمل وتزيد الإنتاجية, لكن الذي يحصل أن الأنظمة التي تطبق قد وضعت بشكل عشوائي فينتج عنها تعطيل سير العمل مما يدفع بالإدارات والموظفين إلى تحييدها بعد فترة من أجل إعادة الأمور إلى نصابها. فأصبح الأصل هو تجاوز النظام لا تطبيقه. وكما أن تقليل الأخطاء البشرية بالاعتماد على اللوحات الإرشادية والبروتوكولات كان هدف اللجنة العالمية المشتركة في مستشفى الحرس الوطني, فإن غياب اللوحات والمنشورات الإرشادية والبروتوكولات التنظيمية هو أمر في غاية الوضوح في مستشفى الدمام المركزي. ابتداءً باللوحات التي تدل على أماكن الأقسام الطبية المختلفة, مروراً باللوحات الإرشادية للتعامل مع حالات الطوارئ والتي يجب أن تحمل رقم الطوارئ في المستشفى, وانتهاءً بالمنشورات التعليمية التي يجب أن تعطى للمريض لاحتياطات ما بعد العمليات الجراحية. إذ لا أعرف أيهما أسهل وأكثر جدوى, هل هو إعطاء ورقة للمريض تحتوي جميع التعليمات بحيث يقرأها على راحته ويراجعها إذا نسي ويطبقها بحذافيرها, أم ذكرها جميعها للمريض خلال مدة لا تتجاوز النصف دقيقة قد يحفظ خلالها نصف التعليمات أو أقل. كما أن لا أحد حتى الآن يعرف نظام المواعيد في المركز بدقة, إذ أن بعض المواعيد التي نعطيها المرضى ترفض وبعضها تقبل ولا نعرف بكل صراحة على أي أساس. ربما الأساس وعلى الأغلب هو مزاج الموظف. أكثر ما يؤسفني هو ما يبدو على أنه تقديس للعقل البشري وكأنه لا ينسى ولا يخطئ ولا يحتاج إلى تذكير أو حتى تنبيه. مع أننا بفعلنا هذا نصبح أقل احتراماً له. لأن من احترامه معرفة حدوده ونقاط ضعفه ومحاولة التغلب عليها.
فوق ذلك كله نسمي جميع الأخطاء في المستشفى أخطاءً طبيةً مع أن العديد منها في الواقع أخطاء إدارية. ومدير المستشفى الذي يمتلك حصانة من المساءلة هو مسؤول عنها بدرجة أو بأخرى. لكن في المقابل يتم البحث عن كبش فداء من الطاقم الفني لتقديمه قرباناً لوحده.
ما يؤسفني أكثر من ذلك أننا فاشلون إدارياً حتى في بيوتنا وحياتنا اليومية. وفكرة السيطرة على نقاط الضعف في العقل البشري غائبة عن ثقافتنا بشكل كبير. والدليل, إبحثوا عن أي لوحة تعليمية أو تذكيرية صحية كانت أو أخلاقية أو حتى دينية في أي من بيوتنا...
سلام عليكم.

0 التعليقات:
إرسال تعليق