الأربعاء، ٢ يناير، ٢٠٠٨
ظهور الوعي التاريخي هو بلا شك الثورة الهامة التي شهدناها منذ حلول العصر الحديث. دلالته الروحية من المحتمل أنها تتجاوز المغزى الذي نقر به إزاء تحقيقات علوم الطبيعة التي حولت بشكل واضح وجه كوكبنا الأرضي. الوعي التاريخي الذي يميز الإنسان المعاصر هو امتياز وربما عبء لم يفرض على الأجيال السابقة. هذه المقولة للفيلسوف الألماني المعاصر هانس جورج غادامير. وهي برأيي تضعنا أمام إحدى أهم المشاكل التي يعيشها العقل العربي اليوم. مشكلة الوعي التاريخي. الوعي التاريخي يعني أن كل حدث يجري في هذا العالم هو حدث محكوم بظروف تاريخه ووفق اشتراطات هذه الظروف التي جرى فيها. والقيمة التي يحصل عليها هي قيمة تنبع من تفاعله مع واقعه التاريخي. الوعي التاريخي هو نظرة واقعية للحياة تضع الأفكار والقيم ضمن إطارها التاريخي وتفهمها ضمن سياقها الذي نشأت فيه.وهي بهذا تحقق الكثير من المكاسب وتتخلص من الكثير من الإشكاليات العويصة التي وقع فيها الإنسان على طول قرون مديدة.
سأعطي هنا مثالا على الوعي التاريخي، كما أفهمه، يساعد في توضيح الفكرة أكثر. حين نناقش عادة من العادات، ذبح رأس من الغنم للضيف مثلا. وهي من العادات المعروفة في الجزيرة العربية والمستقرة في الوعي الجمعي. الوعي التاريخي لهذه العادة يضعها ضمن ظروفها التي نشأت فيها وهي أن الناس في الجزيرة العربية قبل عصر الدولة السعودية الحديثة كانوا يعانون حالة من الفقر والجوع عصيبة جدا، وكانت الحاجة للطعام إحدى الحاجات الكبرى ولذا كان التعبير الأبلغ عن إكرام الضيف هو تقديم الطعام له. الطعام هو التعبير الأساسي واللحم هو أجود أنواع هذا الطعام النادر. اليوم في ظل تغير الظروف وتوفر الأكل وتراجع الحاجة للطعام إلى مراتب متأخرة، يجعل من التعبير عن الإكرام للضيف يمكن أن يأخذ تعبيرا مختلفا. لن يفهم الكثير من كبار السن وربما الكثير من الذين لم يفكروا في هذه العادة هذا الطرح. فهي قد تحولت عندهم إلى شيء مطلق لا علاقة له بالظروف، فتقديم الذبيحة للضيف عندهم هو تعبير عن إكرامهم له مهما كانت الظروف. الأمثلة كثيرة جدا ولكنها تنطلق من أن أي فكرة أو قيمة أو حدث يجب فهمهما وتقييمها وفقا لظروفها التاريخية التي نشأت أو حدثت فيها عن طريق ربطها بشبكة الأسباب التي أنتجتها. وخارج سياق هذه الظروف التاريخية يجب أن يتغير هذا الفهم والتقييم. في هذا السياق تفهم القيم والأفكار والأحداث.
الوعي التاريخي ينسجم ويتوافق مع منطق التاريخ، المنطق الذي يبدو أن الإنسان تأخر كثيرا في فهمه. منطق التاريخ الذي يقول إن الأشياء تتغير باستمرار. وإن الإنسان مهما كان يبقى محكوما بظروف العصر الذي يعيشه وفي السياقات التي تشكل الواقع وتتحكم فيها. الإنسان هو ابن عصره. حتى نبوغه وإبداعه وخروجه عن السياق تبقى محكومة بتفاعل مع السياق نفسه. لا يعيش الإنسان وحده ولا تنشأ القيم والمبادئ والأفكار من الفراغ، بل هي ثمار لتفاعل الإنسان مع واقعه.
الوعي التاريخي يضع الماضي في سياقه الخاص. ويفهمه وفق ذلك السياق. الوعي التاريخي يخرج الإنسان من الماضي إلى الحاضر. يجعل هناك فصلا في الوعي بين الماضي والحاضر كما هو في الواقع. يغلب على الإنسان الحنين للماضي، تربطه به علاقة رومانسية في الغالب ويسقط فيه الكثير من آثار علاقته القلقة مع واقعه. الوعي التاريخي يحرر الإنسان من أسر الماضي. حين نستمع إلى الكثير من الفاعلين العرب في السياسة والاجتماع والثقافة، نجد أنهم يقعون أسرى للماضي ولا يستطيعون التفكير انطلاقا من معطيات واقعهم الذي يعيشونه. وهذا أحد أهم أسباب الفشل التي يعانيها التفكير العربي. إنه يفكر في حاضره من خلال ماضيه. والعلاقة بالماضي حين تفتقد للوعي التاريخي تصبح علاقة مريضة ومعيقة وتتسبب في الكثير من الإشكالات التي تتسبب في النهاية في إحداث فشل كبير في الحياة. لأن كل جهد الإنسان في هذه الحالة يصبح مضادا لمنطق العصر والحياة. يصبح جهدا في الاتجاه الخطأ.
الوعي التاريخي يساعد في الفكاك من أسر التاريخ وصورته المبجّلة دائما فهو يقدمه بنسبيّته وداخل إطاره الخاص. يساعد في الاستيقاظ من الأحلام الوردية التي يعيشها الإنسان ويتوغل فيها هربا من واقعه المرير. وهنا تأتي الأهمية الكبيرة للوعي التاريخي عربيا. فالتاريخ العربي والإسلامي لا يزال يقرأ بدون وعي. لا يزال يقرأ قراءة تبجيلية سطحية تتسبب في إفساد الصحة العقلية التي يتمتع بها الأفراد. لا يزال التاريخ يدرس في المدارس والجامعات ويستحضر في الوعي بصورته الرومانسية وبدون حس نقدي وبدون محاولة فهم لتاريخيته. إن التاريخ العربي والإسلامي يقدم اليوم على أنه صورة المستقبل المنشودة. وهذا هو سبب السير التائه للماضي. الناشئة المسلمون والعرب يعدون اليوم ليكونوا صورا لأبطال الماضي. وهذا سبب الاغتراب الذي يعيشه الفرد العربي، الذي يلعن كل يوم واقعه وبدلا من النظر إلى المستقبل /المستقبل ينجرف سريعا في الخيال للمستقبل / الماضي الذي هو حلم مستحيل وغير قابل للتنفيذ لأنه ضد منطق الحياة والتاريخ.
كما أن الوعي التاريخي يساعد كثيرا في الفكاك من الفكر الأسطوري أو على الأقل التخفيف منه. الفكر الأسطوري الذي يصور رموزه ( الأساطير ) بشكل مفارق للواقع ويقدمها بطريقة خارقة تساعد في تزييف الوعي وتعطل قدرات الإنسان على التفكير والنقد والنظر بشكل طبيعي للحياة. تعالوا ننظر كيف نقدم شخصياتنا التاريخية انطلاقا من أجدادنا القريبين وليس انتهاء بأولئك المغرقين في القدم. يقدمون كأنهم مفارقون للواقع، كأنهم لا يعيشون ضمن هذه الظروف. بدون أخطاء، بدون نواقص، بدون نزوات، أو رغبات. ودون أهداف دنيوية وأغراض إنسانية. هنا تبدو هذه الشخصيات مشكلة كبيرة، فهي من جهة لا تُجارى ولا يمكن أن يأتي أحد بما أتت بسبب مثاليتها المفرطة. ومن جهة أخرى فهي لا تنتمي للعصر الذي نعيشه وتُقدم كنماذج فيه. الشاب العربي اليوم يحمل في جمجمته مثالا أصبح عبئا عليه وسببا في إخفاقه في العيش. يحمل مثالا يحمل سيفه ليصلح هذا العالم الفاسد أو غير الخاضع له. وهذا ما يجعله ينزلق بسهولة في سياقات الإرهاب والعنف. تطبيق مثال الأسطورة التي يحملها من تاريخه اليوم يقوده على هذا الطريق.
الوعي التاريخي يساعدنا في الوعي بنسبية أفكارنا ويحمينا من التعصب لها. لأنها في نهاية المطاف نتيجة لظروفنا الحالية وبالتالي فهي متغيرة وغير ثابتة. نسبية لا مطلقة. مناسبة ربما لنا الآن لكنها ليست مناسبة لغيرنا بالضرورة ولا لنا في وقت آخر. الوعي التاريخي يساعد في قراءة الماضي والحاضر والمستقبل. الوعي التاريخي هو وعي بالزمن. وهو آلية أساسية التجديد والتطوير والنهوض. فهو يضع الإنسان أمام مسؤولياته التي يفرضها عليه واقعه الحقيقي دون أن يرتمي بشكل مرضي في أوهام الماضي وخيالات الأساطير. الوعي التاريخي كان نقطة الإنسان للسير للأمام، بعد أن طال دورانه في حلقات مفرغة. هو الذي جعل الإنسان في العصر الحديث يقفز قفزات نوعية للمستقبل ويفارق الكثير من المستويات التي قبع مديدا فيها. الوعي التاريخي جعل الإنسان يتحرر من الكثير من الأوهام، أوهام الكمال والمثالية. كل شيء تاريخي. كانت هذه فكرة ثورية في تاريخ الإنسان. فكرة تحررية من هالة الأشخاص والأفكار، من سطوة الماضي.
*كاتب سعودي
الإثنين، ١٧ ديسمبر، ٢٠٠٧
If you're not the one
الأربعاء، ٢٨ نوفمبر، ٢٠٠٧
Hey there......

الإثنين، ٢٦ نوفمبر، ٢٠٠٧
هل كبرنا؟
كل ألعاب الطفولة..
الخميس، ٢٢ نوفمبر، ٢٠٠٧
الخميس، ٨ نوفمبر، ٢٠٠٧
لماذا صرنا نتحدث عن الليبرالية؟؟؟
لماذا تبادل اتهامات العمالة والتخوين؟؟ ولماذا هذا التتيير أو تقسيم المجتمع إلى تيارات؟؟
أسئلة مهمة وخطيرة على الصعيد الاجتماعي والفكري بل وحتى السياسي. لكن الإجابة عليها أُهملت كثيراً ولم تلقَ بالاً لدى الكثير من المنظرين والمفكرين, بقدر ما لقي تبادل الاتهامات حول النوايا من قبل الطرفين.
عندما ننظر إلى الخلاف الدائر بين أنصار الليبرالية ومعارضيها, والذي فرض نفسه على جميع الساحات الفكرية خصوصاً الإلكترونية منها في الوقت الحاضر, نجد أنه مشابه للصراع الأزلي بين اليمين واليسار أو بين الإصلاحيين والمحافظين. هذا الصراع الذي يوجه دفة التغيير المجتمعي والفكري على مر العصور. فبين متحمس لهذا القادم الجديد وخائف منه ينقسم المفكرون ومن خلفهم العامة, لتبني الفكر القادم أو رفضه جزئياً أو كلياً. فيحشد كل من الطرفين جميع إمكانياته ويجيش كامل طاقاته وأفكاره إما من أجل الدفاع عن هذا الجديد أو من أجل محاربته. لكن مايميز الصراع الدائر حالياً بالخصوص هو تركيز كل من الفريقين إما على التبشير بالليبرالية أو التبشير بالحل الإسلامي التاريخي, مع إهمال النقد الفعال للخطابين في ذات الوقت من قبل أغلبية المثقفين, وعدم القدرة على إنتاج خطاب موحد يمثل حالة المزج بينهما ويؤمن التوازن بين أهداف وآليات كلٍّ من الخطابين. في نفس الوقت, انصب جل الاهتمام بالليبرالية عليها في ذاتها أو على ظروف نشأتها في الغرب مع إهمال تام لدراسة الظروف التي دعت البعض لمحاولة استقدامها وتطبيقها على مجتمعاتنا. فالعديد من هذه الظروف التي نعايشها تمثل دواعي لتذمر كلا الفريقين. وبالتالي يكون إيجاد الحلول لها هدفاً مشتركاً لكلا الخطابين.
مثلاً عندما نمعن النظر إلى الخطاب الإسلامي الموجه إلى الليبرالية, سواءً من قبل المفكرين أو من قبل أنصاف المفكرين نجد مسارعتهم لتوصيف الممارسة السياسية لليبرالية بشكل ثنائية متناقضة مع بعض أحكام الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي. و"قد" يكون هذا الأمر صحيحاً لو كنا في دولة إسلامية مثالية. ولكننا عندما ننظر إلى الواقع العملي لا نرى وجوداً حياَ لهذه الأحكام الإسلامية المفترضة, والتي علينا "فرضياً" الحفاظ عليها. فعندما تزعم كاتبة ان التصويت على أحكام مخالفة للشريعة الإسلامية غير مبرئ للذمة, فهي كمن يزعم أننا حالياً نطبق قوانيننا "المطابقة للشريعة الإسلامية" أو نستطيع التصويت عليها! وبذلك تصبح الحكومات الليبرالية حسب رأيها أسوأ من الحكومات العربية الحالية!!!. في رأيي من يحاول تصوير الحركة الليبرالية كدعوة تحررية من الإسلام فهو مخطئ, فنحن لا نرى الإسلام هو الحاكم حالياً ولا هو الوضع القائم, بل وحتى الخطاب الإسلامي ذاته لا يدعي هذا. فلا أحد يدعي أننا نعيش وضعاً إسلامياً سياسياً أو اجتماعياً مثالياً وبالتالي يجب الحفاظ عليه, بغض النظر عن كون الليبرالية هي الحل أم لا.
عندما نفهم دافع إخواننا المبشرين بالليبرالية, نستطيع أن نفهم الليبرالية بصورة أخرى. فالحركات التحررية دائماً ما تظهر عند وجود عزلة سياسية أو اجتماعية لأفراد العامة عن الطبقات البرجوازية الممسكة بزمام السلطة. هذه العزلة هي الشرارة التي تولد الحركة التحررية من هذه السلطة, طبعاً مهما كانت السلطة ومهما تدرجت من أبسط مظاهرها كسلطة الأب في البيت مرورا بالسلطة الدينية والاجتماعية وانتهاء بالسلطة السياسية. فالحركات التحررية تمثل نوعاً من الضيق بالسلطة ومن الرغبة في التحرر منها والخروج عن إرادتها. وإن كان ذلك يعني الوقوع في أحضان سلطة أخرى ليست بأفضل من الأولى (وهذا ما أشار له الباحث الأخ خالد النزر في مقاله مجتمعنا والوعي السياسي ).
هذه العزلة السياسية والاجتماعية لعامة الشعب واستئثار النخبة بحق سن القوانين, هي في رأيي السبب الرئيس لاستقدام الفكر الليبرالي من أجل إيجاد الحلول لهذه العزلة. وأكاد أجزم أنه لو كان لدى أي فكر آخر حلولاً أخرى لهذه العزلة وهذه المشكلات التي نعاني منها لاعتنقها إخواننا من دعاة الليبرالية.
ولكن للأسف يحمِّل إخواننا المبشرين بالليبرالية, الليبرالية ما لا تحتمله, فهم يريدونها أن تقدم لهم الحرية السياسية وهذا ما أرى أنها قد تعجز عنه فالليبرالية عملياً ليست مرادفاً للديمقراطية. أيضاً يريدها البعض أن تقدم لهم العدالة الاجتماعية, وهذا أيضاً في رأيي قد يكون أمراً مشكوكاً فيه. طبعاً بالنظر إلى طبيعة المشكلات الحالية التي نعايشها أو المستقبلية المتوقعة في ظل انتشار الدعوة الليبرالية, يبرز الوعي الفردي كصمام الأمان والحل الوحيد المناسب للتغلب عليها. ابتداءً من المشكلات الحقوقية والانتهاكات التي نعانيها حالياً, مروراً بخطاب الكراهية الطائفية المتبادل, والاستئثار السياسي الحالي, وصولاً إلى قلة الالتزام الديني والأخلاقي, وانتهاءً إلى "عدم إبراء الذمة" المزعوم مستقبلاً.
ختاماً كل ما أدعو إليه, هو تكثيف خطاب النقد الذاتي والتركيز على دراسة الوضع الحالي وأسباب التذمر منه بدلاً من تبادل التهم والدخول في تقسيمات وتصنيفات جديدة لمجتمعاتنا المنقسمة والمتفككة أصلاً فهي كما يقول المثل الشعبي"اللي فيها كافيها".
الثلاثاء، ٢٣ أكتوبر، ٢٠٠٧
إيمان الحمد
السبت، ٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٧
بوح الأسئلة.. حديث إلى السيد الفراتي
الأحد، ١٤ أكتوبر، ٢٠٠٧
النقد الداخلي : ضمانة للوسطية
طبعاً كل هذه المهن التخصصية تتضمن هيئات تنظيمية تحافظ على مستوى تأهيل منسوبيها, وتتاكد من موافقتهم لشروطها, لتضمن كفاءتهم, ولتحافظ على سمعة المجتمع المهني الذي تمثله, وتمنع الدخلاء من الإساءة له. هذه الهيئات التنظيمية تتضمن النقابات و الجمعيات المهنية و حتى الكليات المتخصصة, وهذه الهيئات بمجملها تقوم بمهمة الرقابة الداخلية, طبعاً كل في مجاله. في المقابل هناك رقابة المؤسسات القانونية والحكومية من قضاء وشرطة ودوائر رقابية حكومية وغيرها, وهذه تقوم بمهمة الرقابة الخارجية.
في الغالب تكون الرقابة الداخلية أكثر تفهماً لظروف المجتمع المهني وحيثياته, وأكثر فهماً لطبيعة عمله, وأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين الجودة والربحية, بسبب اتصالها المباشر بالوسط المهني, وكون أغلبية منسوبيها من المختصين في نفس المجال. كما أن اهتمامها بهذا الدور غالباً ما ينعكس إيجاباً على المجتمع المهني بازدياد الثقة فيه سواء من قبل الناس أو من قبل الهيئات الرقابية الخارجية.
مثلاً عندما تشدد الكليات الصحية شروط القبول لديها, وتحد من تخرج الممارسين الغير أكفاء منها, وتحاول تطبيق أفضل المعايير التعليمية على طلابها. وتقوم الهيئات الصحية بالتدقيق في عملية استقطاب الممارسين الصحيين, والتأكد من تأهيلهم وكفاءتهم. وفي نفس الوقت تراقب الجمعيات الطبية الوسط الطبي المحلي وتعلن عن أي انتهاك للمعايير العالمية من قبل أي ممارس صحي, وتحذر من التعامل معه. وتنشر باستمرار أسماء الممارسين المعتمدين من قبلها وأولئك الغير معترف بهم. بالإضافة إلى مراقبة عملهم والتحقق من التزامهم بالمعايير المتعارف عليها. مع عدم التنصل من المسؤولية عند حدوث أي تجاوزات في أي من القطاعات الصحية, بل تعمل على معرفة أين يكمن الخلل وأين محل التقصير, وعلى التأكد من عدم تكرار هذه التجاوزات, وعلى سن الأنظمة والقوانين الكفيلة بالحد منها. فإن مستوى الخدمات الصحية في البلاد سيرتفع وستزداد ثقة الناس والأجهزة الرقابية الأخرى بالجهاز الصحي بشكل عام. ويصبح في نظر الناس أي خطأ من قبل أي من المحسوبين على هذا الجهاز مجرد خطأ فردي, لا يقلل من شأن البقية الذين عرف عنهم الإخلاص والكفاءة, ولا يسيء إليهم.
أما عندما يضمحل دور الرقابة الداخلية وتهمل الهيئات الرقابية الداخلية للمهن الصحية في مثالنا دورها, وتغض النظر عن تجاوزات أفرادها, ولاتهتم بالتأكد من تأهيلهم, أو التحقق من شهاداتهم. أو لا تقوم بتوفير إجراءات رقابية مناسبة لحملهم على الالتزام بالمعايير المعتمدة, و تنشغل بالرد على الانتقادات الخارجية لها و إنكار وجود أي تجاوزات, أو نفي مسؤوليتها عن هذه التجاوزات. وتصر على أن قضايا الإهمال والأخطاء الطبية ما هي إلا أخطاء شاذة لا دخل لها بها, وأنها تقوم بدورها على أكمل وجه. فستتدخل هيئات الرقابة الخارجية لتسد النقص الحاصل, وسنسمع كل فترة عن أن الشرطة أوقفت طبيباً يحمل شهادة مزورة, أو أن القضاء ينظر في قضية إهمال أو خطأ طبي, بينما تنكر الهيئات الصحية (هيئات الرقابة الداخلية) وجود أي مشاكل أو تقصير من جانبها, وتبرئ نفسها. فإن الناس ستفقد ثقتها بهذا الجهاز, وربما تتجه لطلب العلاج في قطاعات أخرى أو حتى بلاد أخرى. وحتى الهيئات الرقابية الخارجية فإنها ستنظر لهذا المجتمع المهني بعين من الشك. وتشدد القيود الخارجية على أفراده, وتحد من صلاحياتهم.
قد تكون هذه المقدمة مدخلاً غريباً للحديث عن الوسطية, لكن وجه التشابه الذي أراه هنا هو أن وظيفة الهيئات الرقابية بالنسبة لأي مهنة, هي كوظيفة النقد بالنسبة لأي فكر. فكما ان هناك رقابة داخلية وأخرى خارجية, كذلك النقد فهناك نقد ذاتي داخلي, وهناك نقدٌ خارجي. يقوم النقد الداخلي - من قبل المنتمين لهذا الفكر - بإظهار الأفكار المتطرفة أو الأفكار المنحرفة الداخلة في هذا الفكر بشكل مستمر وبيان عيوبها وأوجه قصورها, كما أنه يهيء لإيجاد حوار داخلي مستمر بين أتباع هذا الفكر, لصيانة الفكر باستمرار والمحافظة على خط سيره وتوجهه المطلوبين وضمان عدم انحرافه. أيضاً يضمن النقد الداخلي ازدهار الجو العلمي الذي يعيش فيه هذا الفكر, وإيجاد وسط يسمح بالتبادل الحر للأفكار الجديدة وصيانة الأفكار القديمة خصوصاً عندما يمضي على تداولها وقت طويل. في المقابل يقوم النقد الخارجي ببيان عيوب المبادئ التي يقوم عليها فكر آخر أو مدرسة أو مذهب آخرين, إما للدخول والإنتشار بين أتباع الفكر الآخر, أو لمنع تأثيره على أفكاره أو أتباعه.
هنا نجد أن الفكر نفسه يقوى وينتشر ويزداد احترامه بين الناس عندما يقوم أفراده بنقده ذاتياً ويقومون بمحاولة تخليصه من كل ما يشوبه ويسيء إليه. وهنا أتحدث خصوصاً عن نقد التطرف في الفكر, من دون التهرب من تبعية هذا التطرف له, لأن من الملاحظ اهتمام العديد من أتباع أي فكر بنقد ما يرونه انحلالاً من فكرهم, وإهمال نقد التطرف فيه. وكذلك عندما لا يقوم أساطين هذا الفكر ورموزه بالتساهل مع أتباعهم المتحمسين, بل يبذلون جهدهم بإبقائهم ضمن المسار المرسوم لهذا الفكر وإن عنى ذلك خسارتهم لبعض هؤلاء الأتباع. كما يزداد احترام الناس وتقديرهم لهذا الفكر الذي يبذل أتباعه جهدهم واهتمامهم في النقد الداخلي لأفكارهم ولممارساتهم على حساب النقد الخارجي لأفكار وممارسات الآخرين. وبحيث لا يبقى مجال للنقد الخارجي ليصطاد في الماء العكر (وإن بنية حسنة).
بينما عندما يهمل المنتمون إلى فكر معين هذا الدور وينطفئ (أو يطفأ) صوت النقد الداخلي, و عندما ينظر أصحاب هذا الفكر إلى أي صوت للنقد الداخلي على أنه صوت خيانة أو تأثر بالفكر الآخر, ويقومون بإسقاطه من حساباتهم. وفي نفس الوقت يعتقدون بأن فكرهم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ويتبارون في إطلاق التبريرات لكل ما يثار حوله, أو قد ينشغلون بالنقد الخارجي للآخرين أو بالرد على الانتقادات الخارجية لفكرهم واستنكارها على حساب النقد الذاتي لفكرهم. فإن أتباعه يصابون بالغرور الذي يعميهم عن رؤية أخطائهم, ويبدأ فكرهم بفقدان مصداقيته وتتضح عيوبه ونواقصه وتتزايد إساءات أتباعه. ويتزايد دور النقد الخارجي على حساب دور النقد الداخلي في صيانة الفكر وتزداد قدرته على بيان عيوب هذا الفكر ويستطيع تقديم البديل الذي يبدو أفضل للناس, ويسير هذا الفكر في الطريق المؤدي للإندثار والنسيان.
الجمعة، ١٢ أكتوبر، ٢٠٠٧
BlogBackupOnline
الخميس، ١١ أكتوبر، ٢٠٠٧
الخميس، ٤ أكتوبر، ٢٠٠٧
أنا حزين

الأحد، ٣٠ سبتمبر، ٢٠٠٧
صوموا عن الطائفية تصحوا!

المدرسة أولاً ثم المسجد : الديمقراطية الأولى
الجمعة، ٢٨ سبتمبر، ٢٠٠٧
الإسلاميون يتفاخرون برفعة الإسلام للمرأة..!!
الأحد، ٢٣ سبتمبر، ٢٠٠٧
يوم المواطنين
ليبراليون ولكن
الخميس، ٢٠ سبتمبر، ٢٠٠٧
تجربتي أم تجربتك؟ : بين التعميم والأنانية
---------------------------------------
تعدد آراء وقناعات الأشخاص هو أمر طبيعي. خصوصاً بالنسبة لمواقفهم تجاه أشخاص معينين. والتعميم خاطئ كما ذكرتي. لكني أرى أنه لا يجب أن يقابل بالأنانية.
نعم أنا على يقين أن هناك من العراقيين من لم يرَ من صدام سوءاً. وأن هناك من يراه من أفضل الرؤساء العرب. لكني أرى أن من الأنانية أن أعتقد بعدالته لمجرد أني لم أرَ منه سوءاً, وأنسى ما فعله بالآخرين.
لكن هل يعني هذا أن أتخذ موقفاً سيئاً ممن لا يشاركني رأيي هذا؟؟؟ كلا, لا أعتقد ذلك. بل ولا أعتقد أن ذلك من حقي.
ينطبق هذا في رأيي أيضاً حول الهيئة, فهناك البعض ممن لم يصبهم ضرر منها, بل ويعتقدون أنها ضرورة من ضرورات الحياة أو حتى ضرورات الدين. ولكني أرى أن من الأنانية أن يفكروا بأنهم ما داموا لم يتعرضوا لأي موقف شخصي سيء معها, فإن الحسنة تمحو السيئة. وأن أفرادها يجب ألا يحاسبوا على إساءاتهم تجاه الآخرين. لمجرد أن حسناتهم أكثر من إساءاتهم.
مع ملاحظة أن هذا أيضاً لا يعني أن أتخذ موقفاً سيئاً, لأصحاب وجهة النظر التي تخالفني.
سؤال آخر, أي وجهتي النظر تعبر عن وجهة نظر المواطنين؟؟؟؟
لكن مع ملاحظة أن القضاء العادل هو طرف أساسي في مثل هذه المعادلة المهمة. وحتى لو كان أغلب الشعب يقف في صف أحد الطرفين, فلا يعني هذا أن يملك حصانة من النقد أو من القضاء. وأن لا ينظر في اتهامات البعض له بظلمهم أو بالإساءة لهم.
شكراً جزيلاً لكِ.وتحياتي لقلمكِ الرائع.
---------------------------------------




